في عالم تمتلئ فيه الشاشات بالتفاصيل اليومية الصغيرة، لم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة للتواصل أو تصفح الإنترنت. خلف التطبيقات والإشعارات والصور التي نشاركها كل يوم، تتشكل صورة رقمية متكاملة عن كل واحد منا، صورة قد تعرف عاداتنا واهتماماتنا وطريقة تفكيرنا أكثر مما نتخيل.
هذا كان محور النقاش الذي دار بين الإعلامي مالك مكتبي وخبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي بلال كساسير في إحدى حلقات بودكاست "إحكي Pro"، حيث تناول الحديث الجانب الخفي من علاقتنا بالتكنولوجيا، بدءاً من الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى مستقبل الذكاء الاصطناعي وتأثيره المتسارع في حياة البشر. كما شهدت الحلقة تجربة لافتة تم خلالها التواصل مع نسخة صوتية رقمية تحاكي صوت مالك مكتبي، إلى جانب محاورة النسخة الرقمية من الضيف نفسه.
توأم رقمي يتشكل في صمت
خلال الحوار، طُرح سؤال حول ما إذا كانت الهواتف الذكية تبني بالفعل نسخة رقمية من مستخدميها. ويرى كساسير أن الأجهزة الحديثة تجمع كماً هائلاً من البيانات المرتبطة بالعادات اليومية والاهتمامات الشخصية وأنماط السلوك المختلفة، ما يتيح تكوين نموذج رقمي قادر على تحليل التصرفات والتنبؤ ببعض القرارات المستقبلية.
وبحسب رؤيته، لم يعد الهاتف مجرد جهاز اتصال، بل أصبح أداة تجمع تفاصيل دقيقة عن مستخدمه باستمرار، وهو ما دفعه إلى وصفه بأنه أقرب إلى جهاز مراقبة رقمي، مع التأكيد على إمكانية الحد من هذه المخاطر عبر ممارسات واعية وإعدادات حماية مناسبة.
هل يمكن أن تتحول بصمة الوجه إلى نقطة ضعف؟
من أكثر النقاط التي أثارت الجدل خلال الحلقة الحديث عن تقنية التعرف على الوجه المستخدمة لفتح الهواتف.
وأوضح كساسير أن بصمة الوجه لا تعتمد على صورة عادية كما يعتقد البعض، بل على مجموعة كبيرة من المؤشرات والقياسات البيومترية التي تتحول إلى بيانات رقمية قابلة للتخزين والمعالجة.
كما لفت الانتباه إلى أن الصور الشخصية المنشورة عبر الإنترنت لم تعد مجرد ذكريات أو لقطات عابرة، في ظل تطور أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج مقاطع فيديو مزيفة أو انتحال الهوية الرقمية بدرجة متقدمة. لذلك اعتبر أن الاعتماد على كلمة مرور قوية قد يكون خياراً أكثر أماناً من بعض وسائل التحقق البيومترية في ظروف معينة.
كل صورة تضيف معلومة جديدة عنك
الصور والتعليقات والإعجابات والمواقع الجغرافية التي تتم مشاركتها يومياً لا تختفي بمجرد نشرها، بل تتحول إلى بيانات تساعد الخوارزميات على رسم صورة أكثر دقة عن شخصية المستخدم واهتماماته وسلوكياته.
ومن الأمثلة التي طرحها خلال النقاش تجنب نشر صور واضحة تُظهر تفاصيل بصمة الأصابع، مثل بعض الإشارات اليدوية القريبة من الكاميرا، لأن التقنيات الحديثة أصبحت أكثر قدرة على استخراج المعلومات من الصور عالية الدقة.
ويرى أن كل معلومة يتم نشرها تضيف قطعة جديدة إلى الملف الرقمي الذي يُبنى تدريجياً حول كل مستخدم، وهو ملف قد تستفيد منه شركات مختلفة أو جهات أخرى بحسب طبيعة البيانات المتاحة.
واتساب والتشفير... هل يكفي ذلك؟
انتقل الحوار أيضاً إلى تطبيق واتساب، أحد أكثر تطبيقات المراسلة استخداماً في العالم العربي.
وأشار كساسير إلى ضرورة التمييز بين مفهوم التشفير ومفهوم الخصوصية، موضحاً أن تشفير الرسائل لا يعني بالضرورة إخفاء جميع البيانات المرتبطة بالمستخدم. فهناك معلومات أخرى يمكن جمعها، مثل توقيت المكالمات ومدتها والأطراف المشاركة فيها.
كما شدد على أهمية تفعيل تشفير النسخ الاحتياطية للمحادثات، لأن النسخ المخزنة على الخدمات السحابية قد تمثل نقطة ضعف أمنية إذا لم تُحمَ بالشكل المناسب.
وفي المقابل، اعتبر أن تطبيق Signal يوفر مستوى أعلى من الخصوصية مقارنة ببعض التطبيقات الأخرى، بينما أبدى تحفظات تتعلق بمستوى الأمان في تطبيق تلغرام.
الأطفال وملف رقمي يبدأ قبل أن يكبروا
أحد الملفات التي حظيت باهتمام خاص خلال الحلقة كان نشر صور الأطفال عبر الإنترنت.
فبحسب كساسير، يقوم كثير من الآباء والأمهات، من دون قصد، بإنشاء أرشيف رقمي كامل لأطفالهم منذ سنواتهم الأولى، قبل أن تتاح لهم فرصة اختيار ما يرغبون في مشاركته عن حياتهم الخاصة.
وأشار إلى أن بعض الصور التي تُنشر في مرحلة الطفولة قد تعود للظهور لاحقاً وتتسبب في مواقف محرجة أو حالات تنمر، كما أن حذف المحتوى من الحسابات الأصلية لا يضمن اختفاءه بشكل كامل من الفضاء الرقمي.
ماذا يحدث لحياتك الرقمية بعد الوفاة؟
من القضايا الأقل تداولاً التي ناقشها الحوار مفهوم "الوصية الرقمية".
وتقوم الفكرة على تنظيم الأصول الرقمية والحسابات والملفات الإلكترونية بحيث يتمكن الورثة من إدارتها أو الاستفادة منها لاحقاً وفق آلية واضحة، تماماً كما يحدث مع الممتلكات التقليدية.
ثلاث ثوانٍ فقط تكفي لاستنساخ الصوت
من أكثر اللحظات إثارة في الحلقة تجربة عملية أظهرت قدرة الذكاء الاصطناعي على استنساخ الأصوات البشرية اعتماداً على مقاطع قصيرة للغاية.
وأوضح كساسير أن بضع ثوانٍ من التسجيل قد تكون كافية لبناء نموذج صوتي قادر على تقليد الشخص بدرجة كبيرة من الدقة، وهو ما يفتح الباب أمام تحديات جديدة تتعلق بالاحتيال والابتزاز وانتحال الهوية.
ولإظهار ذلك عملياً، جرى استخدام نموذج صوتي يحاكي صوت مالك مكتبي في اتصال بدا حقيقياً إلى حد كبير، عبر ما يُعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على إجراء محادثات كاملة بصوت مستنسخ.
هل يستمع الهاتف إلينا طوال الوقت؟
الحوار تطرق أيضاً إلى الأذونات التي تحصل عليها التطبيقات المختلفة على الهواتف الذكية.
وأوضح كساسير أن كثيراً من التطبيقات تمتلك صلاحيات واسعة للوصول إلى الميكروفون والكاميرا والصور والملفات، ما يجعل مراجعة هذه الأذونات بشكل دوري خطوة مهمة للحفاظ على الخصوصية.
كما أشار إلى أن بعض العاملين في قطاع التكنولوجيا يلجؤون إلى تغطية كاميرات أجهزتهم عند عدم استخدامها، معتبراً أن الأمر لا يقتصر على الهواتف فقط، بل يشمل مختلف الأجهزة الذكية الموجودة داخل المنازل.
الذكاء الاصطناعي... القوة الأكثر تأثيراً في المستقبل
في الجزء المتعلق بالمستقبل، أكد كساسير أن التكنولوجيا بحد ذاتها ليست خطراً، بل إن طريقة استخدامها هي التي تحدد نتائجها.
وتحدث عن الإنجازات الكبيرة التي حققها الذكاء الاصطناعي في مجالات الطب والتعليم والخدمات، مقابل مخاطر متزايدة مرتبطة بالحروب السيبرانية وحملات التضليل وصناعة المحتوى المزيف.
ومن وجهة نظره، تتجاوز أهمية الذكاء الاصطناعي كثيراً من التقنيات التي عرفها العالم سابقاً، نظراً إلى قدرته على التأثير في قطاعات ومجتمعات كاملة بصورة غير مسبوقة.
سباق عالمي على امتلاك التكنولوجيا
وتناول النقاش كذلك الاستثمارات الضخمة التي تضخها دول عدة في مشاريع الذكاء الاصطناعي، مع الإشارة إلى التوجهات المتسارعة في منطقة الخليج نحو بناء بنية تحتية متقدمة واستقطاب التقنيات الحديثة، باعتبار الذكاء الاصطناعي أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
وظائف تتغير بسرعة
وعند الحديث عن سوق العمل، أشار كساسير إلى أن عدداً من المهن التقليدية يواجه تغيرات كبيرة بفعل تطور الذكاء الاصطناعي، خصوصاً الوظائف التي تعتمد على المهام المتكررة أو القابلة للأتمتة.
في المقابل، تزداد أهمية المجالات المرتبطة بالمهارات الإنسانية والإبداعية والعاطفية، وهي المهارات التي ما تزال تمثل نقطة تفوق رئيسية للإنسان في مواجهة الآلات.
توقع مثير لعام 2027
في ختام الحلقة، طُلب من النسخة الرقمية لبلال كساسير تقديم توقع لمشهد التكنولوجيا خلال عام 2027.
وجاءت الإجابة على شكل سيناريو يفترض استخدام الذكاء الاصطناعي في اختراق مؤسسة مالية عالمية أو نظام مدفوعات ضخم، الأمر الذي قد يؤدي إلى اضطرابات مالية واسعة النطاق وحالة من القلق العالمي غير المسبوق.
أما السؤال الأخير، والمتعلق بإمكانية أن يتنبأ الذكاء الاصطناعي بموعد وفاة الإنسان، فجاءت الإجابة حاسمة: هذا الأمر يبقى خارج نطاق التكنولوجيا والمعرفة البشرية، ولا يمكن الجزم به أو التنبؤ به.