لماذا أصبحت الثقة رمز المكانة الجديد للعلامات التجارية في الخليج

لماذا أصبحت الثقة رمز المكانة الجديد للعلامات التجارية في الخليج

Cosette Geagea by 5 Hours Ago

في سوق جمالية تعجّ بالابتكار، وتفيض بالمنتجات والتجارب، لم تعد الفخامة تُقاس بندرتها ولا بحداثتها فقط، بل بقدرتها على الصمود وبناء علاقة حقيقية مع المستهلك. في منطقة الخليج تحديدًا، حيث الوعي عالٍ والخيارات بلا حدود، أصبحت الثقة العملة الأثمن، والعامل الحاسم في تحديد مكانة العلامات التجارية على المدى الطويل.

في هذا المقال الحصري لموقع "نواعم"، يقدّم كريم عامر، مدير التسويق الإقليمي لقسم العناية بالشعر والجمال – العلامات التجارية الاستهلاكية في شركة هنكل، قراءة معمّقة لتحوّل مفهوم القيمة لدى المستهلك الخليجي، ولماذا أصبحت المصداقية، والشفافية، والتفكير طويل الأمد، هي المعايير الجديدة للفخامة في عالم الجمال والعناية الشخصية.

نعيش اليوم في زمن الوفرة الاستثنائية. ففي دول الخليج على وجه الخصوص، يجد المستهلك نفسه محاطًا بخيارات لا حصر لها: علامة تجارية جديدة في كل زاوية، وتجارب فاخرة أصبحت في متناول شريحة أوسع، ووتيرة ابتكار لا تهدأ. لكن المفارقة تكمن في أن مفهوم القيمة لم يكن يوماً أكثر غموضاً مما هو عليه اليوم.

وسط هذا التقدم المتسارع، أصبحت الثقة عنصرًا نادرًا. وكما علمتنا الأسواق عبر التاريخ، فإن الندرة هي ما يحدد القيمة الحقيقية في نهاية المطاف.

ويتجلى هذا التحول بوضوح في سلوك الأجيال الجديدة من المستهلكين. فهم أقل انبهارًا بـ«الجديد» لمجرد كونه جديدًا، وأكثر ميلًا لطرح أسئلة أعمق: هل يستحق هذا الشراء؟ هل ينسجم مع رؤيتي للعالم؟ وهل ستظل هذه

العلامة متمسكة بقيمها عندما تتغير الظروف؟

وتؤكد البيانات هذا التحول في الذهنية. إذ تُظهر أبحاث شركة PwC أن 82% من مستهلكي الجيل زد يخططون لشراء بدائل أقل تكلفة، تُعرف شائعًا بـ«النسخ المماثلة»، فيما يعتزم 63% التسوق لمنتجات مستعملة أو معاد تدويرها. ولا تعكس هذه الخيارات حساسية للسعر بقدر ما تشير إلى إعادة تعريف مفهوم القيمة. فلم تعد «السعر المعقول» نقيضًا للفخامة، بل أصبح دليلًا على حسن التقدير والوعي.

يمكن القول إن التفكير طويل الأمد عاد إلى الواجهة. فالمستهلكون الشباب لا يستجيبون فقط لضغوط اقتصادية آنية، بل ينظرون إلى قراراتهم من منظور جيلي. فاعتبارات مثل المناخ، والصحة النفسية، والمرونة المهنية، والأمن المستقبلي، تؤثر جميعها في كيفية إنفاقهم وأماكنه. وبالنسبة لكثيرين، أصبح الاستهلاك تعبيرًا عن المسؤولية أكثر منه استجابة للاندفاع.

وهنا تكتسب الثقة وزنها الحقيقي. فعندما تتوافر الجودة وسهولة الوصول على نطاق واسع، تصبح الموثوقية هي العامل الفارق. وعندما تتزعزع، فإنها تتصدع بسرعة. فوسائل التواصل الاجتماعي والتقييمات الفورية تكشف أي خلل في لحظته. ولم يعد المستهلك بحاجة إلى انتظار تناقل الآراء شفهيًا؛ مراجعة واحدة كفيلة بحسم القرار والمضي قدمًا.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في أسواق مثل دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يتمتع الأفراد بثقافة رقمية عالية، وانفتاح عالمي، وذائقة نقدية متقدمة. فالثقة هنا ترتبط بكيفية تصرف العلامات التجارية تحت الضغط، ومدى شفافيتها عند وقوع الأخطاء، واتساق مواقفها وأفعالها.

وغالبًا ما تشترك المؤسسات القادرة على الاستمرار عبر الزمن في فهم مشترك لكيفية بناء الثقة. فهي تتشكل من خلال قرارات القيادات، وطريقة معاملة الأفراد، وثبات القيم عند مواجهة خيارات صعبة. ومن هنا، تصبح الثقافة المؤسسية الشرط الأساسي لابتكار ذي معنى ومستدام.

ويكتسب هذا المنظور بعدًا خاصًا مع احتفال هينكل بمرور 150 عامًا على تأسيسها. فبقيادتها لهدفها «روّاد في جوهرنا من أجل خير الأجيال»، تعكس تجربة الشركة إيمانًا راسخًا بأن التقدم والمسؤولية يعززان بعضهما بعضًا. فالنمو الهادف، عندما يستند إلى تفكير طويل الأمد، يخلق قيمة تتجاوز المنتجات لتشمل الأفراد والشركات والمجتمع ككل. وفي منطقة الخليج، حيث تنشط هينكل منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، يتجسد هذا النهج في بناء الثقة بالمنتجات والخدمات عبر تراكم الزمن.

وفي صميم هذا التوجه، تقف ثقافة يقودها الإنسان. فقد أثّر إرث هينكل العائلي والتزامها العميق بالقيم في طريقة استثمارها في موظفيها، ودعمها للتعليم والمجتمعات، وتحملها لمسؤولية المساهمة في بناء مستقبل أكثر استدامة وشمولًا. ويشمل ذلك التزامات طويلة الأمد، مثل ضمان تشغيل جميع منشآت التصنيع الإقليمية باستخدام كهرباء متجددة بنسبة 100%.

فهل نشهد اليوم تراجعًا في مفهوم العلامة التجارية؟ على العكس تمامًا. ما نراه هو نضوج هذا المفهوم. انتقال من حداثة عابرة إلى معنى أعمق، ومن ولاء أعمى إلى اختيار واعٍ، ومن سعي قصير الأجل للفت الانتباه إلى مصداقية طويلة الأمد.

في سوق اليوم، تُقيَّم الثقة باستمرار، وتُكتسب بحذر، وتُقدَّر لأنها نادرة وتُبنى مع الزمن. وفي منطقة تزخر بالطموح والزخم مثل الخليج، قد تكون هذه هي أكثر أشكال الفخامة ديمومة على الإطلاق. 

 

إضافة التعليقات

.