من برلين إلى العالم العربي... الدكتور أوليفر تام يعيد رسم معايير الجمال الطبيعي!

من برلين إلى العالم العربي... الدكتور أوليفر تام يعيد رسم معايير الجمال الطبيعي!

Dyana Farhat by 11 Hours Ago

 

في عالم تتقاطع فيه الدقة العلمية مع الحسّ الفني، تبرز جراحة التجميل والترميم كواحدة من أكثر التخصصات الطبية تطوراً وتأثيراً في حياة المرضى. فهي لا تقتصر على تحسين المظهر الخارجي فحسب، بل تمتد لتمنح الأمل وتستعيد الثقة بالنفس وتعيد تشكيل جودة الحياة بعد التحديات الصحية الصعبة.


في هذا اللقاء الحصري، نلتقي الدكتور والطبيب المحاضر أوليفر تام Dr. Oliver Thamm رئيس قسم جراحة التجميل والترميم في مستشفى هيليوس برلين، وأحد أبرز المتخصصين في ألمانيا، لنستعرض رحلته المهنية، فلسفته في العمل، وأحدث الاتجاهات والابتكارات في مجاله، ورؤيته الخاصة للمرضى من العالم العربي.  

هل يمكن أن تعرّف بنفسك وبعملك لقرائنا العرب؟ وما الذي يميز فلسفتك المهنية والقيم التي توجه ممارستك؟

اسمي أوليفر تام، وأعمل كجراح تجميل منذ عام 2012. وفي عام 2018، توليت رئاسة قسم جراحة التجميل والترميم كطبيب رئيسي في مستشفى هيليوس برلين - بوخ، وهو مستشفى يقدم "نظام الرعاية القصوى" Maximum Care Provider، وبشكل مماثل لمستشفى جامعة "شاريتيه" الشهيرة في برلين.

ما الذي ألهمك للتخصص في جراحة التجميل والترميم؟ وما الذي يحفزك للاستمرار في هذا المجال سريع التطور؟

منذ طفولتي، كنت مهتماً بالعمل اليدوي وأمتلك مهارة عالية فيه، وكنت دائم السعي لتحقيق أعلى درجات الدقة في كل ما أقوم به. لم أكن أرضى إلا بالكمال. قادني شغفي بالعلوم الطبيعية إلى دراسة الطب، ومن ثم تمكنت من الجمع بين المعرفة النظرية والمهارات العملية في جراحة التجميل. وحتى اليوم، ما زلت أستمتع بعملي، ويسعدني يومياً ما نحققه من نتائج مميزة لمرضانا بالتعاون مع فريقي.

تدربت في ألمانيا وإسبانيا، وحصلت على مؤهلات إضافية في جراحة اليد وطب الطوارئ. كيف أثّرت هذه التجارب المتنوعة على أسلوبك في رعاية المرضى؟

النظر خارج نطاق التخصص يوسع الأفق ويعمق فهم المشاكل الصحية. في إسبانيا، أتيحت لي الفرصة لاكتساب خبرة في نظام صحي مختلف، كما أتيحت لي الفرصة للمشاركة في فريق بحثي دولي. أما في ألمانيا، فتُعد جراحة اليد جزءاً أساسياً من جراحة التجميل، نظراً لوجود العديد من التركيبات الدقيقة والمهمة وظيفياً بالقرب من بعضها البعض. لذلك، ليس من المستغرب أن يكرّس الجراحون المتخصصون في الجراحة المجهرية، من بين أمور أخرى، جهودهم لهذا الجزء المعقد من الجسم. خلال دراستي، كنت أكسب رزقي بالعمل كمسعف في خدمة الطوارئ الطبية، وكان من الطبيعي بالنسبة لي أن أعمل لاحقاً كطبيب طوارئ. ومن وجهة نظري، من المهم أن يكون كل طبيب قادراً على التعامل بمهارة مع الحالات الطارئة.

تجمع جراحة التجميل بين الدقة الجراحية والرؤية الفنية. كيف توازن بين هذين الجانبين؟

الدقة والسعي إلى الكمال جزء أساسي من شخصيتي. أما الجانب الفني، فيكمن في فهم رغبات المرضى الفردية وتحقيقها بأفضل شكل ممكن. الإحساس بالجمال عنصر أساسي لا غنى عنه في هذا المجال.

الإجراءات والخبرة السريرية

تغطي ممارستك الطبية مجموعة واسعة من الإجراءات، من إعادة بناء الثدي إلى تجديد ملامح الوجه. ما هي العلاجات الأكثر طلباً حالياً من قبل مرضاك؟
يركز عملي بشكل واضح على جراحات الثدي، لذلك أقوم بإجراء أكبر عدد من العمليات في هذا المجال. أكثر ثلاث عمليات تجميلية يطلبها مرضاي هي شد الثدي أو تصغيره، تكبير الثدي، وجراحة الجفن العلوي. أما أكثر عمليات الترميم شيوعاً التي أقوم بها فهي إعادة بناء الثدي باستخدام أنسجة المريضة نفسها.

عادة ما تحمل عملية بناء الثدي بعد السرطان أهمية طبية وعاطفية على حد سواء. كيف يختلف نهجك بين إجراءات إعادة البناء والجراحات التجميلية البحتة للثدي؟

رغم أن توقعات المرضى غالباً ما تكون منخفضة في البداية بعد علاجهم من السرطان، إلا أن الجانب الجمالي بالنسبة لي لا يقل أهمية في عملية إعادة البناء عن أهميته في العملية التجميلية البحتة. للأسف، تكون الخيارات أحياناً محدودة، ويجب مناقشتها مع المرضى بشكل مفصل قبل الإجراء. ومع ذلك، من الرائع دائماً أن نرى كيف يتراجع تأثير السرطان تدريجياً في حياة هؤلاء المرضى، وكيف يمكن لعملية إعادة البناء أن تعيد لهم قدراً كبيراً من جودة الحياة.

ازداد شيوع العلاجات غير الجراحية، مثل البوتوكس، وحشوات الجلد، وزراعة الدهون. كيف تقرر ما إذا كان على المريض اختيار الخيارات غير الجراحية مقابل الجراحية، وما هي المعايير السريرية أو الجمالية التي توجه هذا القرار؟

هذا سؤال جيد، وبسبب تعقيده، لا يمكن الإجابة عليه في بضع جمل فقط. بشكل عام، يُفضل اللجوء إلى الإجراءات قليلة التوغل، مثل البوتوكس والحشوات، بدلاً من الجراحة إذا كانت قادرة على تلبية رغبات المريض بشكل مرضى ٍ. ومع ذلك، إذا استنفدت هذه الخيارات، يجب توضيح ذلك للمريض بنفس الوضوح. 

سلامة المرضى والممارسة المسؤولة 

تعتبر سلامة المرضى أمراً محورياً في جراحة التجميل. ما الإجراءات التي تعتمدها لضمان أعلى المعايير، خاصة للمرضى الدوليين غير المألوفين بالنظام الصحي الألماني؟

لدي ميزة كبيرة تتمثل في العمل في مستشفى يقدم "نظام الرعاية االقصوى". هنا، تأتي سلامة المرضى دائماً في المقام الأول. لدينا أنظمة متعددة لضمان الجودة التي لا تقتصر على الحفاظ على المستوى الحالي فحسب، بل تهدف أيضاً إلى تحسينه بشكل مستمر. كما نتواصل بشفافية مع المرضى حول هذه الإجراءات. في مستشفى هيليوس برلين، يتوفر المتخصصون لمواجهة أي حالة طارئة لضمان أعلى مستويات السلامة.

مع تزايد عدد المرضى الشباب الذين يسعون لإجراء تحسينات تجميلية، كيف تدير توقعاتهم بمسؤولية مع ضمان اتخاذ قرارات أخلاقية وطبية مناسبة؟

أنا أقوم بالإجراءات التجميلية فقط على المرضى البالغين الذين يدركون تماماً جميع المخاطر المرتبطة بها. وأجري استشارات دقيقة للغاية وأحصل على موافقة مستنيرة لضمان ذلك. إذا شعرت أن دوافع المريض لإجراء العملية لها سبب كامن يمكن معالجته بطريقة أخرى بشكل أفضل، فإنني أشير إلى ذلك. في النهاية، يكون القرار دائماً قراراً مشتركاً يجب أن يحظى بدعم كلا الطرفين، المريض والطبيب. ولا أقوم بأي جراحة تنحرف بشكل كبير عن فهمي الجمالي الشخصي. 

المرضى الدوليون والعالم العربي

هل تستقبل حالياً مرضى من العالم العربي، وما هي الإجراءات الأكثر طلباً؟

أتلقى في إنتظام استفسارات من المنطقة العربية، لكنها غالباً تكون محدودة في نطاقها لتشمل عمليات الترميم المعقدة بعد الحوادث أو المضاعفات الناتجة عن عمليات سابقة. وأحياناً تصلنا استفسارات حول الجراحات التجميلية، ومع ذلك سأكون سعيداً لو زادت هذه الطلبات.

هل هناك اعتبارات ثقافية أو تواصلية تأخذها في الحسبان عند التعامل مع المرضى من هذه المنطقة؟

بالطبع، نسعى لضمان شعور المرضى من العالم العربي بالراحة معنا واحترام ثقافتهم. يمكن أن يتم التواصل إما عبر مترجمين أو باللغة الإنجليزية. علاوة على ذلك، يضم فريقي أطباء من المملكة العربية السعودية، لذلك لا يجب أن تنشأ أي مشاكل في هذا الصدد.

هل تستكشف فرص التعاون مع مستشفيات أو مؤسسات طبية في العالم العربي، مثل أدوار الاستشاري الزائر أو برامج التدريب، لتقريب خبرتك من المرضى؟

لسنوات عديدة، كنت أدرب أطباء من المملكة العربية السعودية قدموا إلى ألمانيا ضمن برامج المنح الدراسية، بعضهم أصبح يمارس بالفعل كجراحين تجميل معتمدين في بلدهم الأم منذ فترة.

يمتلك العديد من المرضى العرب خيارات دولية متعددة لإجراء العمليات التجميلية. من وجهة نظرك، ما الذي يميز عيادتكم من حيث المرافق، وبروتوكولات السلامة، والتقنيات المتقدمة، والأساليب المبتكرة؟

تُعد الجامعات الطبية في ألمانيا من بين الأفضل عالمياً، كما أن نظامنا الصحي واحد من الأكثر حداثة وجودة على مستوى العالم. لدينا مجالس تقييم صارمة في جمعيات الأطباء تضمن المستوى العالي لمتخصصينا. يركز مستشفانا بشكل خاص، وكذلك مجموعة هيليوس بأكملها، على أساليب علاج مبتكرة وتقنيات متقدمة. لذلك، يمكنني أن أوصي بشدة بالعلاج معنا.

الإتجاهات والإبتكار

اتجهت الصيحات التجميلية الأخيرة نحو تغييرات دراماتيكية في ملامح الوجه، لكن التوقعات لعام 2026 تشير إلى العودة نحو ملامح أكثر طبيعية وتناغماً. كيف تفسر هذا التحول في تفضيلات المرضى؟

معايير الجمال تتطور باستمرار. من أسلوب "هيروين شيك" في التسعينيات إلى العارضات الممتلئات بعد مطلع الألفية، نعود الآن إلى مظهر أكثر طبيعية، يأخذ في الاعتبار الخصائص الفردية لكل شخص. أرحب بشدة بهذا التحول وقد كنت دائماً أعارض التغييرات المبالغ فيها وغير الطبيعية للجسم، وخاصة الوجه.

عندما يطلب المرضى أساليب مبالغ فيها كانت شائعة في السنوات السابقة، كيف توجههم لتحقيق توازن بين احترام رغباتهم وضمان نتائج تتماشى مع المعايير المعاصرة؟

كما ذكرت سابقاً، رغبات مرضاي هي أولويتي القصوى. ومع ذلك، كجراح، يجب أن أكون مقتنعاً بإمكانية تنفيذ العملية بنجاح، وإلا فلن أتمكن من تقديم عمل جيد. في الغالبية العظمى من الحالات، نتوصل إلى موافقة مشتركة وخطة علاجية تناسب كلا الطرفين، المريض وأنا كجراح. في حالات نادرة، تكون الرؤى مختلفة بشكل كبير لدرجة أنني أضطر لرفض إجراء العملية. 

ما هي الابتكارات في جراحة التجميل والترميم التي تتحمس أكثر لتطبيقها في عيادتك اليوم، بما في ذلك التطورات مثل التصوير ثلاثي الأبعاد، والتقنيات الجراحية المتقدمة، أو الأدوات قليلة التدخل؟

منذ نحو عام، قمنا بتوسيع نطاق خدماتنا من خلال طريقة فحص مبتكرة لتقييم تدفق الدم في الأنسجة وتصوير الأوعية اللمفاوية الدقيقة. يتيح لنا هذا إجراء عمليات فوق مجهرية على الأوعية اللمفاوية، ويزيد من ثقتنا في عمليات نقل الأنسجة المروية بالدم بشكل حر. وأنا مقتنع بأن الجراحة الروبوتية ستستمر في التطور في المستقبل وستجد استخداماً متزايداً في جراحة التجميل، خاصة في العمليات المجهرية. 

التوعية العامة وإرشاد المرضى

ما أبرز المفاهيم الخاطئة حول جراحة التجميل والترميم التي ترغب في توضيحها، خاصة للمرضى الذين يفكرون في العلاج خارج بلادهم؟

غالباً ما يربط الجمهور بين جراحة التجميل والجراحة التجميلية فقط. أود تصحيح هذا المفهوم والتأكيد مرة أخرى على أن جراحة التجميل تلعب دوراً كبيراً في مجال الجراحة الترميمية. بالإضافة إلى الجراحات الترميمية لضحايا الحوادث، أو بعد جراحات الأورام، أو بعد إصابات الحروق، تركز جراحة التجميل في ألمانيا أيضاً على جراحة اليد. وتعد الجراحة التجميلية جزءاً مهماً من مجالنا، لكنها بالتأكيد ليست الجزء الوحيد.

ما النصائح العملية التي تقدمها للمرضى الدوليين، وخاصة القادمين من العالم العربي، لضمان رحلة جراحية آمنة، مطلعة، وناجحة؟

أولاً وقبل كل شيء، أعتبر أن التعليم الشامل والمبني على أساس قوي من قبل الطبيب المعالج أمر أساسي للمرضى. يجب أن يكون هذا الاعتبار مفتاحاً عند البحث عن مكان مناسب للعلاج. بالطبع، يجب توفر الخبرة الكافية في المجال الطبي ذي الصلة، ويجب أن تسمح بنية المستشفى التحتية بإدارة آمنة لأي مضاعفات محتملة. وفي النهاية، يعتبر وجود أساس كامل وغير مشروط من الثقة في الطبيب المختار أمراً ضرورياً.

أجرت الحوار: لوسي حبيب، لندن 

 

 

 

 

 

 

 
 
 
 
 
 

إضافة التعليقات

.