مساحة تفهم اختلافك كما هو

by Norah Naji 1 Day Ago 👁 135

حين يصبح الحديث عن الصحة النفسية أكثر حضوراً في الحياة اليومية، تبرز الحاجة إلى أماكن تمنح الأفراد مساحة آمنة للفهم والدعم بعيداً عن الأحكام المسبقة أو القوالب الجاهزة. ومن هذا المنطلق، شهدت دبي افتتاح مركز يونيكلي يو للرفاه النفسي، وهو أول مركز للرفاه النفسي في دولة الإمارات تملكه وتديره طبيبة متخصصة في التنوع العصبي.

 

يقف خلف هذه المبادرة إيلين مايتشين، الأخصائية النفسية الأمريكية المرخصة من هيئة تنمية المجتمع في دبي ومجلس المستشارين المهنيين في الولايات المتحدة، والمتخصصة في العلاج النفسي وعلاج الصدمات. ويستهدف المركز تقديم الدعم للأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 13 عاماً وما فوق، إلى جانب الأسر، ضمن قطاعات الرعاية الصحية والتعليم وبيئات العمل في دولة الإمارات.

 

ويأتي افتتاح المركز في وقت تتزايد فيه أهمية الصحة النفسية في الإمارات. فبحسب دراسة سيغنا العالمية للصحة 2025، ارتفعت مستويات الرفاه النفسي في الدولة إلى 64%، كما باتت الصحة النفسية أولوية صحية رئيسية لدى السكان، متقدمة على الرفاه الجسدي.

 

يعتمد المركز على رؤية ترتكز إلى فهم احتياجات كل فرد وفق طبيعة جهازه العصبي وطريقته الخاصة في معالجة المعلومات والتفاعل مع محيطه. ولهذا يجمع بين الأساليب العلاجية المدعومة بالأدلة العلمية، والرعاية المراعية لتأثيرات الصدمات النفسية، والممارسات التي تحترم الخصوصية الثقافية، مع التركيز على رؤية الإنسان كفرد متكامل لا كمجموعة من الأعراض أو التشخيصات.

 

كما يقدم دعماً لمجموعة واسعة من التحديات النفسية والحياتية، بما في ذلك القلق والاكتئاب والصدمات النفسية ومشكلات تقدير الذات وضغوط الأبوة والأمومة والحزن والتغيرات الكبيرة في الحياة، إلى جانب المساندة في التحديات المهنية والعلاقات الشخصية وتحسين الصحة النفسية بشكل عام.

 

وفي مجتمع متعدد الثقافات مثل الإمارات، يواجه كثير من الأفراد تحديات مرتبطة بالانتقال إلى بلد جديد، وتقلبات حياة المغتربين، والشعور بالعزلة، وضعف شبكات الدعم الاجتماعي. وتزداد هذه التحديات تعقيداً عندما لا يعرف الشخص الجهة المناسبة التي يمكنه اللجوء إليها للحصول على المساندة في الوقت المناسب.

 

ويحاول المركز سد هذه الفجوة، خصوصاً في المجالات التي ما زالت تحتاج إلى مزيد من الفهم المجتمعي، وعلى رأسها التنوع العصبي. ويشمل ذلك حالات التوحد واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط لدى الفتيات والنساء والبالغين والمهنيين أصحاب الإنجازات العالية، إضافة إلى الأشخاص الذين أمضوا سنوات طويلة في إخفاء اختلافاتهم ومحاولة التكيف مع توقعات الآخرين.

 

وترى إيلين مايتشين أن الوعي بالصحة النفسية في الإمارات شهد تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، إلا أن كثيراً من الأشخاص ما زالوا بحاجة إلى بيئات تتعامل مع تجاربهم بقدر أكبر من الفهم والتعاطف والاحترام. كما تؤكد أن التنوع العصبي لا يمثل خللاً يحتاج إلى إصلاح، بل يعد أحد أشكال التنوع البشري الطبيعي، الأمر الذي يستدعي توفير دعم يتناسب مع احتياجات كل فرد ويعزز تقبله لذاته.

 

وتشمل الخدمات المتاحة في المركز جلسات الرفاه النفسي، والإرشاد الفردي، والعلاج الأسري، وتقييمات التوحد واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، والعلاج الجماعي القائم على مهارات العلاج السلوكي الجدلي، إضافة إلى برامج التدريب وورش العمل ومجموعات الدعم. وقد صُممت هذه الخدمات لتلبية احتياجات متنوعة للأفراد والأسر والمجموعات.

 

ويعتمد العمل على خطط علاجية مخصصة يتم إعدادها بالتعاون مع كل فرد وفق أهدافه وتجربته الشخصية. ويبدأ المسار السريري باستشارة أولية لفهم التحديات المطروحة والتاريخ الشخصي والأهداف العلاجية، قبل وضع خطة واضحة للرعاية والمتابعة.

 

كما يولي المركز اهتماماً خاصاً بالأشخاص ذوي الأنماط العصبية المختلفة، بمن فيهم المصابون بالتوحد، واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، وعسر القراءة "الدسليكسيا"، وعسر الأداء الحركي "الدسبراكسيا"، وعسر الكتابة "الدسغرافيا". ويهدف هذا النهج إلى تعزيز فهمهم لأساليبهم الخاصة في التفكير والتعلم والتواصل وإدراك العالم، بما يدعم الوعي الذاتي والقدرة على التعبير عن الاحتياجات الشخصية وتحسين جودة الحياة بصورة عامة.

 

ويمتد أثر هذا الدعم إلى مختلف جوانب الحياة اليومية، سواء في الدراسة أو العمل أو العلاقات الاجتماعية أو التواصل أو التعامل مع التحديات الحسية ومتطلبات التنظيم والتخطيط، مع احترام نقاط القوة والاحتياجات الفردية لكل شخص.

 

وتنسجم هذه الجهود مع إستراتيجية هيئة الصحة بدبي للرفاه النفسي، وهي خطة تمتد لخمس سنوات وتستند إلى عشر مبادرات تركز على الكشف المبكر والتدخل والوقاية والدعم المجتمعي.

 

وعلى مستوى الشراكات، يعمل المركز مع عدد من المؤسسات في دبي وأبوظبي لتعزيز الوعي بالصحة النفسية ودعم رفاهية الموظفين. كما تشمل خططه المستقبلية توسيع فريق العمل واستقطاب المزيد من الأخصائيين النفسيين، إلى جانب تعزيز الوصول إلى الخدمات المتخصصة.

 

وتتجه الرؤية المستقبلية للمركز نحو بناء منصة موثوقة للرعاية النفسية في الإمارات، تجمع بين دعم التنوع العصبي، والرعاية المراعية للصدمات النفسية، والتعاون مع المدارس، وتعزيز الرفاهية في بيئات العمل، وتقديم الدعم في الأزمات، والمساهمة في نشر الوعي المجتمعي بالصحة النفسية.