موضة الباروك: من القرن السّادس عشر إلى دولابك
"الباروك" هذا المصطلح الذي طالما نسب إلى الطبقة الراقية والأرستقراطية خلال القرنين السابع والثامن عشر وخلال العصر البيزنطي، عاد اليوم ليؤكّد للجميع أن القديم لا يموت ولا يفنى، لكن موجة العصرنة التي اجتاحت العالم أجبرته على التّنحي لفترة وجيزة، تاركاً الفرصة لإبداعات جديدة ومختلفة. واليوم ها هو يفرض نفسه من جديد حاملاً معه زخرفات وهندسات وخطوط جديدة ومميزة مثبتاً المقولة الشهيرة التي تعتبر أن عالم الأزياء يشكل جزءاً من الفن ويستوحي من تفاصيله ومعالمه المميزة . في حين يفسح هذا النمط المجال أمام المصممين بأن يتركوا العنان لأنفسهم والتّصرف بحرّية فيما خصّ التّصميم وإستخدام المواد التي تعمل على إظهار قطعتهم، إذ يستطيعون أن يدخلوا إليه كل ما يمكن أن يوحي لهم بالرقي والفخامة.
لعل أكثر ما لفت هو إجماع عدد كبير من الدور والمصممين العالميين على اعتماد هذه التصاميم ولموسمين متتاليين وكأنهم يريدون تغيير مسار الموضة والانتقال نحو خطوط جديدة من خلال ابتكار أزياء تمتاز برومانسيتها وكلاسيكيتها الملكية والملفتة للإنتباه مع إضافة لمسة من المبالغة والجنون . ومن هنا ترك كل مصمم بصمة خاصة في ابتكار التّصاميم الباروكية مترجماً بإبداعاته نظرته الخاصة، إذ كان لكل واحد منهم فكرة محددة لهذا العالم ومتطلباته.
فمجموعة الراحل ألكسندر ماكوين تضمّن في كلّ تفاصيلها، ايحاءات باروكية مزخرفة بدقة وإتقان عالٍ. لا يمكن أن ننسى أن ماكوين ومنذ بدايته كان من أنصار هذه المدرسة وفي كل موسم كان الجزء الأكبر من مجموعاته مصمم على هذا الطراز، حتى بعد رحيله حافظت Sarah Burton اليد اليمنى له والتي تولت عملية التصميم مكانه على هذا النهج . وخصّص روبيرتو كافالي حيزاً كبيراً لهذه الصيحة معتمداً على تصميم مجموعة خارجة عن المألوف بألوان جريئة وطبعات صارخة مليئة بالجنون والزكشة. أما Jason Wu فحضر بقوة تاركاً بصمة مؤثرة من خلال المزج بين اللونين الأسود والذهبي اللذين اعتبرتهما من أساسيات عالم. ولم ينسى Balmain امرأته، فصمّم لها مجموعة أزياء مستوحاة من العصر الباروكي مليئة بالاثارة وتلفت الأنظار بلونها الذهبي. في حين فضل Philip Lim عدم الغوص في متاهات وتفاصيل هذا العالم الشائكة وابتكر مجموعة منقوشة بأسلوبٍ مميز. هذا وحضرت دار Versace بمجموعة مميزة ذات أسلوب فريد، فقدمت فساتين وجاكيتات وتنانير بسيطة أحياناً أو ذات طبعات ونقوشات ملفتة.
وطبعاً لا يمكن أن ننسى الأكسسورات التي أخذت أيضاً طابعاً باروكياً هذا الموسم، فرحبت العديد من دور الأزياء بهذه العودة ودخلوا الساحة بسلاسل وأساور وحقائب وأحزمة وأحذية مستوحاة من العصر البيزنطي القديم التي تحمل تفاصيل وملامح الفخامة. وحملت هذه المجوهرات والأكسسورات نوعاً من المبالغة في شكلها سواء في المواد التي أدخلت اليها أو في شكلها الضخم والمعقد.
عالم الرسم
إن فكرة الباروك منسوجة من عالم الرسم والنحت الذي شهد نقلة نوعية في القرنين السابع والثامن عشر ولطالما ارتبط هذا الطراز بثقافة علوم العصر الذي ظهر فيه والتي تميزت بكثرة الزخرفات والمنحنيات مع استخدام وإضافة عناصر أخرى إليه. وانطلاقاً من هنا ألقت ابداعات رسامي هذه القرون بظلالها على مخيلة المصممين وبدأوا من خلالها باستيحاء أفكار غريبة لمجموعاتهم، وبالتالي عبروا عما يختلج داخلهم من مشاعر وطبعوها بأزياء تعبر عن نفسها. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل عمد كل مصمم إلى إضفاء بصمته الخاصة مضيفاً - إذا جاز التعبير- التوابل التي يراها مناسبة. وإنطلاقاً من هنا، لم يعد عالم الباروك يقتصر على الفنّ والعمارة بل أضحى جزءاً مهمّاً من ساحة الموضة والأزياء وتتنافس عليه الدّور الكبيرة.