في أسبوع الموضة في باريس، قدّم بيت الأزياء الفرنسي Balmain مجموعة خريف وشتاء 2026-2027، في لحظة مفصلية تشهد بداية مرحلة إبداعية جديدة مع المدير الفني أنطونان ترون. بعد ثلاثة أشهر فقط من توليه المنصب، اختار المصمم أن يقدّم رؤيته الأولى بلغة مختلفة عمّا اعتادت عليه الدار في السنوات الأخيرة: أقل صخبًا، وأكثر تركيزًا على الحرفة والبنية.
إشارة إلى تاريخ الدار
افتتح العرض بسترة طيران من جلد الحمل بلمسة غير لامعة، في إشارة تاريخية إلى الطيّارة الفرنسية دانييل ديكوريه، أول امرأة تقود طائرة في شركة Air France، والتي ارتدت في السبعينيات زيًا صممه مؤسس الدار بيار بالمان. لم تكن هذه الإشارة مجرد تفصيل عابر، بل محاولة لربط الحاضر بجذور الدار، واستعادة صورة امرأة بالمين الواثقة التي تجمع بين القوة والأناقة.
أناقة الأربعينيات تعود
استلهم ترون لغة التصميم من الأناقة التي ميّزت فترة الأربعينيات، عندما برز بيار بالمان كأحد أبرز مصممي الكوتور بعد الحرب العالمية الثانية. ظهرت الأكتاف المستديرة والمنظمة، مع خصر محدد يمنح القوام بنية واضحة من دون مبالغة في التضييق. تنانير القلم الضيقة والأكمام الملتصقة بالجسم عززت هذا الخط، لتخلق سيليويت أنثويًا مضبوطًا يجمع بين القوة والهدوء.
المعاطف الترنش جاءت بقصّات صارمة تذكّر بأبطال أفلام الأربعينيات، بينما حافظت فساتين المساء على انسياب طويل يبرز القوام بطريقة مدروسة. الإغراء هنا لم يكن مباشرًا، بل هادئًا ومضبوطًا، أقرب إلى أناقة السينما الكلاسيكية.
التفاصيل والملمس
اعتمدت المجموعة على خامات غنية وتفاصيل دقيقة. ظهرت طبعات animalier – إحدى توقيعات الدار التاريخية – في صيغة مطرزة بخرز يشبه الكافيار يلتقط الضوء بنعومة. كما برز معطف أسود مغطى بالكامل بريش جلدي مقصوص يدويًا يمنح الحركة إحساسًا هادئًا بدلاً من التأثير الدرامي الصاخب.
أما الجلد فكان عنصرًا أساسيًا في المجموعة، حيث ظهرت أطقم كاملة من معاطف وتنانير وقمصان وأحذية مصنوعة من قطع جلدية صغيرة متجاورة تشكّل تأثيرًا يشبه جلد التمساح. كذلك ظهرت أقمشة الجاكار الحريرية المنقوشة بدرجات لونية داكنة مثل الأخضر العميق والأزرق الليلي والعنابي، وهي تفاصيل لا تظهر بوضوح من بعيد لكنها تكشف ثراءها عند الاقتراب.
إعادة ضبط هوية بالمان
يبدو أن ترون يراهن على إعادة ضبط هوية الدار بعد سنوات من الأسلوب البصري الصاخب الذي اشتهرت به في العقد الماضي. مجموعته الأولى لا تسعى إلى القطيعة مع الماضي، بل إلى إعادة قراءة رموز بالمان بأسلوب أكثر هدوءًا وانضباطًا.
ورغم أن العرض لم يعتمد على مفاجآت درامية أو تحولات جذرية، فإنه كشف عن توجه واضح: العودة إلى الحرفة الدقيقة، والتركيز على قطع يمكن أن تعيش في خزانة المرأة لسنوات.
إنها بداية محسوبة لعهد جديد في Balmain، حيث لا يعتمد التأثير على الصخب بقدر ما يقوم على دقة التصميم وثقة الأسلوب. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا بعد هذا العرض: هل سيحافظ ترون على هذا المسار الهادئ، أم أن المواسم المقبلة ستكشف عن رؤية أكثر جرأة لدار بالمان؟