صيام البشرة: ماذا يحدث فعلاً لجلدك خلال 30 يومًا؟
مع بداية رمضان، يتغيّر إيقاع الجسم بالكامل. ساعات الامتناع الطويلة عن الطعام والشراب، تبدّل مواعيد النوم، واختلاف نوعية الوجبات، كلها عوامل لا تؤثر فقط على الطاقة والمزاج، بل تنعكس مباشرة على البشرة. لكن السؤال الحقيقي ليس “هل تتعب البشرة في رمضان؟” بل ماذا يحدث لها بيولوجيًا خلال ثلاثين يومًا من الصيام؟
لفهم ذلك، علينا النظر إلى ثلاثة محاور أساسية: الترطيب، إفراز الدهون، والاستجابة الالتهابية.
الترطيب: هل الجفاف حتمي؟
خلال ساعات الصيام، ينخفض مدخول السوائل إلى الصفر، ما قد ينعكس مؤقتًا على مستوى الترطيب الداخلي. الجلد، باعتباره أكبر عضو في الجسم، يتأثر بتوازن الماء. لكن الجفاف الذي نراه في رمضان ليس دائمًا نتيجة فقدان الماء فقط، بل غالبًا بسبب اضطراب الحاجز الجلدي.
عندما تقلّ السوائل ويترافق ذلك مع قلة نوم أو استهلاك كميات كبيرة من الكافيين بعد الإفطار، تضعف قدرة البشرة على الاحتفاظ بالماء. النتيجة قد تكون شعورًا بالشد، بهتانًا خفيفًا، أو خطوطًا دقيقة أكثر وضوحًا.
المفارقة أن بعض الأشخاص يلاحظون تحسنًا في صفاء البشرة خلال الأسبوعين الأولين، خاصة إذا كان نظامهم الغذائي يصبح أخف وأقل امتلاءً بالسكريات. ذلك لأن انخفاض الأنسولين يقلل من بعض العمليات الالتهابية المرتبطة بالإجهاد التأكسدي.
إفراز الدهون: بين التوازن والارتباك
تعمل الغدد الدهنية تحت تأثير مباشر للهرمونات، لا سيما الكورتيزول والأنسولين. تغيّر مواعيد النوم وارتفاع التوتر قد يزيدان من إفراز الكورتيزول، ما يحفّز بدوره إنتاج الدهون لدى بعض الأشخاص. لذلك قد تظهر لمعان زائد أو انسداد مسام في النصف الثاني من الشهر.
في المقابل، لدى أشخاص آخرين، خصوصًا أصحاب البشرة المختلطة أو الدهنية، قد يتحسن إفراز الدهون إذا انخفض استهلاك السكريات والأطعمة فائقة المعالجة. أي أن الاستجابة ليست واحدة للجميع؛ هي انعكاس مباشر لنمط الحياة خلال الشهر.
النقطة الحاسمة هنا أن البشرة في رمضان تمرّ بمرحلة “إعادة توازن”، وليست بالضرورة مرحلة تدهور.
حب الشباب والالتهابات: هل الصيام يهدّئ البشرة؟
علميًا، تقليل السعرات والسكريات يمكن أن يخفّف من مؤشرات الالتهاب في الجسم، ما قد ينعكس إيجابًا على حالات حب الشباب المرتبطة بالحمية الغذائية. لكن هذا التأثير الإيجابي يمكن أن يُلغى إذا ترافق مع:
قلة نوم مزمنة
تناول سكريات مركّزة عند الإفطار
إجهاد نفسي مرتفع
قلة النوم تحديدًا تؤثر على عملية تجدد الخلايا ليلاً، وهي المرحلة التي يتم فيها إصلاح الأنسجة وإعادة تنظيم الالتهاب. لذلك، إذا اختلّ النوم، قد تصبح البشرة أكثر حساسية وأبطأ في التعافي من البثور.
الهالات والإجهاد: الوجه مرآة الإيقاع اليومي
الهالات في رمضان ليست دائمًا تصبغًا بقدر ما هي نتيجة احتقان دموي وإجهاد. السهر المتكرر يقلل من تدفق الدم والأكسجين بكفاءة إلى الجلد، ما يجعل المنطقة تحت العين أكثر قتامة وانتفاخًا.
كما أن انخفاض ساعات النوم يرفع الكورتيزول، فيؤثر على مرونة الجلد واحتباس السوائل. لهذا السبب، قد تبدو البشرة باهتة حتى لو لم تكن جافة فعليًا.
روتين مبني على التغيّرات البيولوجية لا على التسويق
بدلاً من البحث عن “مجموعة رمضانية محدودة الإصدار”، الأفضل تعديل الروتين وفق ما يحدث فعليًا في الجسم.
في مرحلة ما قبل الإفطار، تكون البشرة أكثر عرضة للجفاف، لذا يفضَّل تجنّب المكونات المهيِّجة أو المقشّرات القوية في هذه الساعات. التنظيف اللطيف والحفاظ على واقي الشمس ضروريان، خصوصًا إذا كان الصيام يتزامن مع طقس حار.
بعد الإفطار بساعتين تقريبًا، حين يستعيد الجسم توازنه المائي نسبيًا، يمكن إدخال المكونات النشطة مثل الريتينول أو الأحماض، لأن الجلد يكون أقل إجهادًا وأكثر قدرة على التحمل.
التركيز الأساسي يجب أن يكون على دعم الحاجز الجلدي بمكونات مثل السيراميدات والنياسيناميد، بدل الإفراط في التقشير. كما أن استخدام مرطب بطبقات خفيفة بدلاً من كريم ثقيل جدًا قد يكون أكثر فعالية في الحفاظ على التوازن.
أما لمن يعاني من بشرة دهنية، فالمبالغة في التجفيف قد تأتي بنتيجة عكسية. الهدف ليس إزالة الدهون بالكامل، بل تنظيمها.
هل تتضرر البشرة فعلًا خلال 30 يومًا؟
في معظم الحالات، لا يحدث ضرر طويل الأمد. البشرة عضو ذكي وقادر على التكيف. ما نراه في رمضان هو استجابة مؤقتة لتغيرات في النوم، التغذية، والترطيب. إذا أُديرت هذه العوامل بوعي، يمكن أن يمر الشهر دون أي تدهور ملحوظ، بل ربما مع تحسن في بعض الحالات الالتهابية.